ابن كثير

236

البداية والنهاية

فقال : ممن الرجل ؟ فقلت : رجل من المسلمين . فقال ثكلتك أمك ممن أنت ؟ فقلت : من الأنبار . فقال : ما عملك على أن دعوتني باسمي ؟ قال : فخطر ببالي شئ لم يخطر قبل ذلك ، فقلت : أنا أدعو الله باسمه يا الله ، أفلا أدعوك باسمك ؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم : يا آدم ، يا نوح ، يا هود ، يا صالح ، يا إبراهيم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا محمد ، وكنى أبغض خلقه إليه فقال : تبت يدا أبي لهب . فقال الرشيد : أخرجوه أخرجوه . وقال له ابن السماك يوما : إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك ، وتبعث منه وحدك ، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل ، والوقوف بين الجنة والنار ، حين يؤخذ بالكظم وتزل القدم ، ويقع الندم ، فلا توبة تقبل ، ولا عثرة تقال ، ولا يقبل فداء بمال . فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له : يا بن السماك ! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة . فقام فخرج من عنده وهو يبكي . وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلة وعظه بمكة - : يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم ، وقد قال تعالى ( وتقطعت بهم الأسباب ) [ البقرة : 166 ] قال حدثنا ليث عن مجاهد : الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا . فبكى حتى جعل يشهق . وقال الفضيل : استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها ، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له : صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعم فقال : عش ما بدا لك سالما * في ظل شاهقة القصور تسعى عليك بما اشتهيت * لدى الرواح إلى البكور فإذا النفوس تقعقعت * عن ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا * ما كنت إلا في غرور قال : فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديدا . فقال له الفضل بن يحيى : دعا أمير المؤمنين تسره فأحزنته ؟ فقال له الرشيد : دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى . ومن وجه آخر أن الرشيد قال لأبي العتاهية : عظني بأبيات من الشعر وأوجز فقال : لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * ولو تمتعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت صائبة * لكل مدرع منها ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس قال : فخر الرشيد مغشيا عليه . وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية وأرصد عليه من يأتيه بما يقول ، فكتب مرة على جدار الحبس : أما والله إن الظلم شوم ( 1 ) * وما زال المسئ هو الظلوم

--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 220 : لؤم .